الكاتب والآلة: من سيناريوهات الإبداع إلى أكواد المحاكاة


المقدمة:

في قلب العاصفة التي تشهدها صناعة السينما اليوم، يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالًا وجوديًا على أحد أقدم أركان العملية الإبداعية: كاتب السيناريو. هل لا يزال هناك مكان للكاتب البشري في زمن تكتب فيه الآلات، وتنتج النصوص بكفاءة وسرعة لا تنافس؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا. بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على غرف الاجتماعات، وعلى طاولات الكتابة، وحتى في مفاوضات النقابات العمالية في هوليوود.

في هذا المقال، نعرض وجهات نظر مجموعة من صنّاع السينما، الذين ناقشوا بعمق واقع الكاتب في عصر الذكاء الاصطناعي، ومدى قابلية الاستغناء عن العنصر البشري في رواية القصص. ما الذي يميز الكاتب البشري عن الآلة؟ ولماذا أصبح "الكاتب المنتج" هو مستقبل المهنة؟

من كاتب إلى منفّذ: نهاية عقلية "أسلّم النص وأرحل"

الكاتب في الزمن الجديد لم يعد ذاك الذي يكتب نصًا ويسلّمه لفريق الإنتاج متوقعًا تنفيذ رؤيته بحذافيرها. الصناعة اليوم تطلب من الكاتب أن يكون منتجًا أيضًا، حاضرًا في كل مرحلة من مراحل صناعة الفيلم: من الكتابة إلى الإشراف، ومن الجدولة إلى التنفيذ.

التحوّل ليس اختياريًا، بل ضرورة اقتصادية وفنية. والواقع الجديد يفرض على الكاتب أن يعيد تعريف نفسه بوصفه عنصرًا فاعلًا في منظومة تنفيذية معقدة، خاصة في وقت أصبحت فيه الآلة منافسًا حقيقيًا على دور الكاتب.

 بين الكاتب والآلة: سباق على "المتوسط"

المعضلة الكبرى ليست في الإبداع، بل في المتوسط. فبينما لا تزال الآلات عاجزة عن إنتاج أعمال بمستوى Everything Everywhere All At Once أو TÁR، إلا أنها باتت قادرة على إنتاج نصوص متوسطة، بل مقبولة، بسرعة خرافية.
ولأن معظم ما يُنتَج في الصناعة هو في الحقيقة "متوسط الجودة"، فإن السؤال المخيف يصبح:

لماذا أُوظّف كاتبًا متوسطًا من البشر، بينما يمكنني الحصول على آلة تكتب لي بنفس المستوى، وفي يومين فقط؟

هذه العقلية قد تغري صناع القرار، خاصة مع ضغط الوقت والميزانية. فكما يقول أحد المتحدثين:

"السيناريو جيد أو سيء بقدر ما تحتاجه الشركة يوم التسليم".

 الكاتب الحقيقي: "واجهة" أم ضروري لا غنى عنه؟

في سيناريو عبثي قد يصبح قريبًا واقعيًا، قد نجد كُتّابًا مشهورين يقبلون أن يكونوا واجهة بشرية لسيناريوهات كُتبت بالكامل بواسطة ذكاء اصطناعي. مقابل أجر، وربما شهرة.

هل هذا مستقبل الكتابة؟ أم أن هناك شيئًا لا يمكن تقليده أو شراؤه؟
يجيب النقاش بالإجماع:

"الآلة لا يمكنها أن تكتب بتعاطف. لا يمكنها أن تملك ذوقًا حقيقيًا."

هذه ليست خواص تقنية، بل عناصر إنسانية متجذّرة في تجربة الحياة، وفي وعي الكاتب بالجمهور، بالمشاعر، وبالعالم. القدرة على أن تكون "المتفرّج" أثناء الكتابة... هي ما يصنع كاتبًا حقيقيًا.

 ما لا يُعلَّم ولا يُبرمَج

يمكنك أن تُدرِّس تقنيات الكتابة، وأن تشرح قواعد السرد، لكن لا يمكنك أن تدرّس "التعاطف" في دورة مسائية. ولا يمكن برمجة الذوق. هذه "اللامرئيات" هي التي تميّز الكاتب الإنسان عن خوارزمية بارعة في التقليد.

حتى الآن، هذه العناصر لم تُستنسخ. لكن كما يعترف أحد المتحدثين بسخرية:

"ربما آكل كلماتي هذه خلال ستة أشهر، حين يبدأ الذكاء الاصطناعي بتعليم التعاطف لنفسه."

 الخاتمة: مستقبل الكتابة في زمن البرمجة

في زمن الذكاء الاصطناعي، لم يعد البقاء للأذكى تقنيًا فقط، بل للأكثر إنسانية.
الكاتب الذي يستطيع أن يدمج بين أدوات العصر وبين أصالة الحكاية، والذي لا يخشى أن يطوّر نفسه ليكون حاضرًا في صناعة القرار والتنفيذ، هو الكاتب الذي سيبقى.

في عالم يمكن للآلة أن تكتب فيه، يصبح السؤال الحقيقي:

هل يمكنها أن تشعر؟
وهل يمكنها أن تفهم البشر كما يفهمهم كاتب عاش، وخسر، وراقب، وتألم؟

طالما كانت الإجابة "لا"، سيبقى للكاتب مكان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عشرون نصيحة من كريستوفر نولان لكتابة السيناريوهات

كيف نكتب مثل جيمس بالدوين

عشرة نصائح في الكتابة والإخراج من دينيس فيلنوف