إذا أردت أن تتعلّم كيف تروي قصة، فابدأ بمونتاج فيلم وثائقي


بقلم: غريغوري باين
هناك أكثر من طريقة لتعلّم كيفية رواية قصة. الأمر لا يقتصر فقط على الجلوس بقلم وورقة (أو حاسوب ولوحة مفاتيح) وانتظار أن تولد القصة على الصفحة. أحياناً، تولد القصة أثناء المونتاج.
اكتشف كيف يمكن لمونتاج فيلم وثائقي أن يحسّن مهاراتك في السرد القصصي بشكل كبير.

"تحرير فيلم وثائقي يشبه أن يعطيك أحدهم كيساً من الجُمل ويطلب منك أن تكتب كتاباً."
— هذه العبارة، التي قالها صديقي وزميلي ترافيس شوارتز، تلتقط تماماً جوهر ما يعنيه أن تحدق في هاوية ساعات لا تُحصى من اللقطات العشوائية، وتُكلّف بمهمة جمعها وتحويلها إلى سرد متماسك يحمل معنى.

إنه ماراثون التحرير السينمائي، وبعد عقد من الزمن قضيته في مونتاج العديد من الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة، تعلّمت بعض الدروس حول كيف أُصبح راوياً أفضل للقصص.


الفضول ضروري، والسياق هو كل شيء

كانت أول تجربة لي كمونتير أفلام وثائقية بمثابة اختبار قاسٍ. الفيلم كان وثائقي طويل عن جون تروديل، الناشط الأسطوري في حركة الهنود الأمريكيين خلال السبعينيات، والذي أصبح لاحقاً شاعراً وفناناً للكلمة المنطوقة.

كمتخرج من مدرسة السينما في التسعينيات، كانت أولى تحدياتي هي افتقاري العميق للمرجعية التاريخية. فقد كنت طوال سنوات مراهقتي وعشرينياتي عازماً على صناعة الأفلام الروائية، وكانت كل خبرتي تنتمي لذلك العالم.

عندما جلست لأول مرة أمام اللقطات، بدت أدوات المونتاج مألوفة، لكن سرعان ما أدركت أن مونتاج الأفلام الوثائقية كان أكثر حرية من أي شيء جربته من قبل. في الظاهر، قد يبدو الأمر معتمداً على الحقائق والتسلسل الزمني، أو إعادة بناء الأحداث "كما وقعت". لكن الواقع أن الفيلم تحركه الشخصيات، والعاطفة، وعالم الموضوع الذي يتناوله.

وبينما كنت أراجع اللقطات والمونتاج الأولي الذي طُلب مني إعادة تخيله، أدركت كم كانت معرفتي بالموضوع محدودة. خفت في البداية، واعتقدت أن هذا النقص سيظهر في عملي. لكن مع الوقت، أدركت العكس تماماً. لقد منحتني تلك الساعات الطويلة من المقابلات والمواد الأرشيفية فرصة تعليمية مكثفة حول حركة الهنود الأمريكيين، وعن هذا الشخص المذهل الذي عاش وشكّل جزءاً من تاريخنا الأمريكي.

بدون أجندة مسبقة، سوى محاولة فهم ما أمامي من لقطات، وجدت أن الفضول الشديد ووجهة نظري الخارجية ساعداني في التعامل مع القصة من منظور جديد تماماً. وساعدني هذا على بناء السياق اللازم حول حياة تروديل وتاريخه، ما مكّنني من تشكيل سرد يسمح للجمهور الذي لا يعرف شيئاً عن الشخصية بأن "يشعر" بالقصة. وفي النهاية، الأفلام — سواء كانت وثائقية أو غير ذلك — لا تُقاس إلا بمدى قدرتها على جعلنا نشعر.

كمونتير وثائقي، أنت همزة الوصل بين رؤية المخرج والجمهور. حتى عندما أكون أنا المخرج والمونتير في الوقت نفسه، كما في مشاريعي الأخيرة، تبقى العلاقة مع الجمهور قائمة على أساس تقديم السياق المناسب.
ما هي الظروف أو الحقائق التي تشكل عالم شخصياتنا؟ وكيف نعرض هذه الحقائق بشكل إبداعي يسمح بوجود المعنى الخفي، لكنه يمنح المشاهد أساساً يفهم من خلاله المحتوى؟

السياق يمنح الجمهور مدخلاً إلى هذا العالم وحياة الشخصيات. وبعد ذلك، يمكننا بناء المشهد العاطفي الذي يجعل الجمهور يشعر بالقصة، وبالتالي نحصل على فيلم يحمل معنى.


النصيحة الأولى: شاهد جميع اللقطات. نعم، كلها.

حتى لو كنت أنت من صور معظم اللقطات، من المهم أن تستثمر الوقت في مشاهدتها جميعاً حتى لا يفوتك شيء. أحياناً، تكون اللقطة العفوية أو النظرة العابرة كاشفة أكثر من عشرات الجمل التي رتبتها بعناية.

مشاهدة جميع اللقطات هي أيضاً أول خطوة لفهم ما هو فيلمك فعلاً، أو ما يمكن أن يكون عليه. سواء كنت تصنع وثائقياً أو روائياً، نحن لا نرتقي إلا بمقدار جودة لقطاتنا.


الحقيقة المزعجة الرائعة: الفيلم الوثائقي يمكن أن يكون أي شيء

بعيداً عن فكرة "قول الحقيقة" — والتي، حتى حين نحاول أن نكون موضوعيين، تظلّ فكرة ذاتية جداً — لا يوجد الكثير من القواسم المشتركة التي توحد الوثائقيات كنوع سينمائي. لا توجد قواعد صارمة، ولا قوالب جاهزة يمكن تشكيل القصة من خلالها بسهولة. مثلها مثل الأنواع السينمائية الأخرى، هناك بعض القوالب المتكررة، لكن أفضل الوثائقيات غالباً ما تتفوق لأنها تجد صوتها، ونبرتها، وبنيتها الخاصة من خلال موضوعها:

  • The Cruise يقدّم رحلة شخصية مع تيموثي "سبيد" ليفيتش، حيث يصبح صانع الفيلم جزءاً من جمهور هذا المرشد السياحي الفريد في جولات نيويورك.

  • فيلم Salesman للأخوين ميزلز يلتقط واقع حياة باعة الكتاب المقدس، في مزيج صارم من الأبيض والأسود يعبّر عن مهنة آيلة للزوال.

  • The Kid Stays in the Picture يعكس نغمة وبريق هوليوود الخاصة بروبرت إيفانز من خلال عرض بصري أنيق ومتقن.

في فيلمي Jens Pulver | DRIVEN، الذي يدور حول مقاتل فنون القتال المختلطة، حرصت على أن يعكس الأسلوب الخام للفيلم شخصية المقاتل نفسه، مع خلق مساحة للتأمل الداخلي من خلال مونولوجاته الداخلية.

وفي فيلمي الجديد Bloodsworth: An Innocent Man، حول كيرك نوبل بلودزوورث، أول سجين محكوم بالإعدام تتم تبرئته عبر الحمض النووي، استغرق الأمر سنوات لأجد البنية المناسبة. استخدمت مقابلات مباشرة، ورسوم متحركة لإعادة ذكرياته، ومواد أرشيفية، ومقاطع حديثة لحملته لإلغاء عقوبة الإعدام، تربطها كلها خط زمني بصري يربط عناصر القصة.

في النهاية، سواء كنا نعرف القصة جيداً أو لا، نحن لا نرقى إلا بمقدار جودة لقطاتنا.


النصيحة الثانية: وداعاً للنصوص المطبوعة، ومرحباً بالأدوات الذكية

في بعض المشاريع، عملت مع كتّاب قدموا مونتاجاً أولياً معتمداً على تفريغ مكتوب للمقابلات، دون مشاهدة اللقطات. ورغم أن الجمل بدت رائعة على الورق، فإنها كانت مستحيلة التنفيذ بسبب طبيعة الكلام البشري غير المنضبط.

أنصحك بتوفير الوقت والمال والاعتماد على أدوات البحث الصوتي مثل Soundbite أو PhraseFind، والتي تتيح لك البحث عن كلمات وعبارات داخل التسجيلات. الأمر أكثر فاعلية ودقة من التفريغ اليدوي.


الحقيقة، القصة، الشخصية، النغمة

كيف يجعل تحرير الوثائقيات منك راوياً أفضل؟ ببساطة لأنه يضعك في قلب الحياة الحقيقية، ويجبرك على دراسة الطبيعة المعقدة للبشر. هناك مستوى من المسؤولية الواقعية، يدفعك إلى رؤية الأحداث من كل الزوايا، لتقديم الحقيقة. وهذا يمكن أن يخلق توتراً كبيراً في غرفة المونتاج، بين ما يريد الناس عرضه، وما يجب عليك عرضه.

لكن من خلال هذا الصراع، وتقطيع اللقطات إلى جوهرها الإنساني، تظهر قصص التجربة البشرية. فوضوية، ناقصة أحياناً، مبالغ فيها أو غامضة، لكنها تُعلّمنا كيف نروي، وتُعلّمنا طبيعة البشر.

وفي النهاية، رغم اختلاف المسارات بين التحرير الروائي والوثائقي، إلا أن المعركة هي نفسها: التوازن بين القصة والشخصية، والعثور على النغمة المناسبة.


النصيحة الثالثة: لديك وقت قصير لتعريف الجمهور بلغة الفيلم

رغم أن الفيلم الوثائقي يمكن أن يكون أي شيء، لديك وقت قصير لتعريف الجمهور بماهيته. في Jens Pulver | DRIVEN ، حرصت من البداية على توضيح من هو "ينس"، ولماذا نتابعه، وأيضاً ضبط نغمة الفيلم بصرياً وصوتياً في اللحظات الأولى.

وفي Bloodsworth، استخدمت مقاربة مشابهة، لكن مع عناصر أكثر: مقابلات، رسوم متحركة، أرشيف، وأسلوب بصري واضح منذ البداية.


بعد عقد من العمل في هذا المجال، أستطيع أن أقول إن الفيلم الوثائقي هو المدرسة الحقيقية لصانع الأفلام. يمكن إنتاجه بطاقم فردي، ويُجبِرك على تعلّم كل شيء: من تشغيل الكاميرا، إلى تسجيل الصوت النقي، إلى مهارة الاستماع، التي تُعدّ من أكثر المهارات إغفالاً.

إنه يدفعك باستمرار خارج منطقة راحتك، لينتهي بك الحال إلى ذلك الفن الوحيد: الجلوس وحيداً في الظلام، أمام ساعات من اللقطات، باحثاً عن القصة.

وفي عالم السينما المشبّع بالتكرار، تذكّرنا القصص الحقيقية، مهما كانت صغيرة، بما يعنيه أن نكون بشراً بجمالنا وقبحنا. لذا، لا عجب في أن هذا النوع قد ازدهر في السنوات الأخيرة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عشرون نصيحة من كريستوفر نولان لكتابة السيناريوهات

كيف نكتب مثل جيمس بالدوين

عشرة نصائح في الكتابة والإخراج من دينيس فيلنوف