كيف حرّرت ألكسندرا ستراوس الفيلم المستحيل: داخل عملية المونتاج في I Am Not Your Negro

 

التحرير هو العنصر الحاسم في قوة الفيلم الوثائقي المرشح للأوسكار من إخراج راؤول بيك، كما تكشف المونتيرة الفرنسية ألكسندرا ستراوس.

مقدمة

كيف تُحيي شخصية استثنائية رحلت منذ أكثر من عشرين عاماً؟ كيف تسرد قصة أمريكية جوهرية وأنت لست من أمريكا؟ وكيف تنسج من الصور الأرشيفية والتسجيلات القديمة فيلماً يبدو ملحًّا ومعاصراً؟
كانت هذه بعض التحديات التي واجهها الفيلم الوثائقي I Am Not Your Negro، الذي وصفه مخرجه راؤول بيك بأنه "فيلم مستحيل الصنع". لكن، بفضل العمل الدقيق والملهم من مونتيرة الفيلم ألكسندرا ستراوس، تحققت المعجزة. جمعت ستراوس بين صور أرشيفية، ومقاطع فيديو تاريخية، وسرد صوتي من سامويل جاكسون، لتصنع واحداً من أكثر الأفلام الوثائقية تأثيراً في عامه.


“المهمة الأساسية كانت منح الحياة لجيمس بالدوين بالكلمات فقط”

تقول ألكسندرا ستراوس:

"المهمة الأساسية كانت منح الحياة لجيمس بالدوين وخلق سينماتوغرافيا من خلال الكلمات فقط. عادة، حين تعمل على فيلم، تكون هناك قصة، حتى في الوثائقيات. لكن في هذا المشروع، الأمر مختلف تماماً."

لقد كان التحدي الأكبر هو جعل المشاهدين يستمعون للأفكار، لا لحبكة خيالية، وهذا ما جعل المشروع يبدو مستحيلاً في البداية.

بدأت ستراوس العمل من النص، مستمعة إلى السرد الصوتي، ثم راحت تضيف الصور تحته لتكتشف احتمالات لا حصر لها:

"كان الأمر أشبه بالقفز في بحر واسع من الصور."


“راؤول يريد أن تكون كل صورة ذات معنى”

أوضحت ستراوس أن أسلوبها في العمل يعتمد على مساحة من العزلة والتجريب، ثم النقاش مع المخرج. وعن علاقتها براؤول بيك، الذي عملت معه سابقاً، قالت:

"إنه يثق بي كثيراً، لكنه يطلب الكثير أيضاً. كان يريد أن يكون الفيلم عنيفاً وقوياً، و لا صور بلا معنى. كل ما يُدرج في الفيلم يجب أن يكون له دلالة."

عملت بجانبها أخصائية أرشيف داخل غرفة مجاورة، ما سمح بطلب المواد الفورية للتجريب، قبل أن يتم لاحقاً التفاوض على الحقوق والاستعاضة عن بعض الصور.


الاختزال فن قائم بحد ذاته

لم تقتصر مهمة ستراوس على الصور فقط، بل امتدت إلى تحرير النص نفسه، الذي كان طويلاً للغاية. تقول:

"في الفيلم، تحتاج إلى مساحات للصمت، مساحات يمكن للجمهور أن يفكر فيها أو يحلم أو يشعر، لذلك لا يمكنك ملء كل لحظة بالصوت."

لقد كانت المسألة مسألة إيقاع واختيار وخلق مساحات بين الكلمات باستخدام الموسيقى أو صور حديثة من أمريكا اليوم — طرقات، محيط، لقطات عابرة — لإعطاء النفس السردي فسحة للتنفس.



الكتابة والمونتاج: جسدان لقلب واحد

كونها كاتبة أيضاً، ترى ستراوس أن المونتاج والكتابة يشتركان في هدف السرد، لكن لكل منهما طبيعته الخاصة:

"المونتاج يشبه النحت أكثر من الكتابة. إنه عمل جسدي، يعتمد على الحدس، وعلى الشعور بطول اللقطة أو توقيتها، دون حسابات عقلية بحتة."

وفي الوقت الذي تمنح الكتابة حرية التعبير عن أفكارك، يجبرك المونتاج على الدخول في عالم المخرج ورؤيته الخاصة.


الغربة كمنظور موضوعي

وعن كونها مونتيرة فرنسية تعمل على فيلم يتناول حياة كاتب أمريكي من أصول إفريقية، علّقت:

"الابتعاد أحياناً يمنحك نظرة أكثر موضوعية. كما أنني شعرت بالقرب من أفكار بالدوين، خصوصاً حين فكرت في السياسة الفرنسية الحالية تجاه المهاجرين. ما كتبه يلامسني."


من فيلم عن الحقوق المدنية إلى شيء أعمق

تقول ستراوس إن التحدي كان في تجاوز البُعد التوثيقي التقليدي:

"لقد أزلنا الكثير من التفاصيل البيوغرافية، وكذلك مشاهد عن الحقوق المدنية، لأنها لم تكن لبّ الفيلم. لو حاولت قول كل شيء، فلن يسمعك أحد."

الهدف كان بناء فيلم يتناول أفكاراً أوسع عن الهوية الأمريكية والثقافة والتمثيل، لا مجرد عرض زمني لأحداث سياسية.


الأدوات والتقنيات

اعتمدت ستراوس كلياً على برنامج Avid، وبدأت العمل على صور ذات جودة سيئة مع طوابع زمنية، قبل أن تتعاون مع مصمم غرافيكي لتحريك الصور بلطف. لم تكن من هواة التحريك المبالغ فيه، فكانت تكتفي برسم سكيتشات لإيصال فكرتها للمصمم.

أما الموسيقى، فقد كانت جزءاً من عملية المونتاج منذ البداية، مستخدمة مقاطع من مؤلف فيلم سابق، إلى أن يقدّم الموسيقي النسخة النهائية.

"الصوت والموسيقى مادة مثلها مثل الصور. أتعامل معها كمواد خام، أصوغ منها الإيقاع والشعور والجو العام للفيلم."


النص هو المعنى، والصورة هي المفارقة أحياناً

تكشف ستراوس أن أفضل نهج عند التعامل مع الأرشيف هو الحرية الكاملة في البداية، دون الخوف من مسألة الحقوق.

"في البداية لم نكن نعلم إلى أين سنصل، لكن كنا نعرف ما لا نريده."

وكانت المفارقة أداة سردية أساسية: استخدموا مشاهد لدوريس داي في الغناء، إلى جانب لقطات عنف في الشارع، للتعليق على التناقض بين الثقافة والصورة الأمريكية الظاهرية.


خاتمة

يُعد I Am Not Your Negro مثالاً لامعاً على كيف يمكن للمونتاج أن يتجاوز كونه مجرد عملية تقنية، ليصبح فناً ناطقاً بذاته. ألكسندرا ستراوس لم تكن مجرد مونتيرة، بل نحاتة مشاعر، بنت من الأرشيف والذاكرة، والفكر والحدس، جسراً يصل جيمس بالدوين بالأجيال الجديدة. في عالم يتخبط في سردياته، تذكرنا ستراوس أن "حين تقول الكثير، لا يسمعك أحد" لذا، اختصر، واختر، ودع الصورة تتحدث.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عشرون نصيحة من كريستوفر نولان لكتابة السيناريوهات

كيف نكتب مثل جيمس بالدوين

عشرة نصائح في الكتابة والإخراج من دينيس فيلنوف