تعلّم الإخراج بأسلوب هيتشكوك المشوق عبر أربع خطوات
جميعنا نعرف أن ألفريد هيتشكوك هو سيد التشويق. وهذه إحدى الأسباب التي تجعل الكثير منا يعتبره أحد أعظم المخرجين في تاريخ السينما. فقد سمح له فهمه العميق للفن السينمائي بخلق عوالم معقدة تبتلع جمهوره أثناء مشاهدتهم لأبطاله وأشراره المعقّدين وهم يتنقّلون ضمن عوالمه الرمادية.
استخدم هيتشكوك صيغة محددة في كل مشهد من أكثر مشاهده تشويقًا خلال مسيرته. تتكون هذه الصيغة من أربع خطوات: حركة الكاميرا، اللقطات الثابتة، التغطية الكلاسيكية على طريقة هوليوود، والاستخدام الديناميكي لتأثير كوليشوف، بهدف تقريب الجمهور من العالم الذي أراد هيتشكوك استعراضه.
فلنحلل كيف يمكنك أن تعيد ابتكار مشهد مشوّق بأسلوب هيتشكوكي باستخدام هذه الصيغة الرباعية.
1. لقطات التتبع (Tracking Shots)
يمكن أن توفّر حركة الكاميرا طبقة إضافية ضرورية من السرد البصري، لكن هيتشكوك يأخذ هذه التقنية إلى مستوى أعلى، حيث يستخدم حركة الكاميرا لتنويم الجمهور.
في العديد من مشاهده التي تحتوي على جريمة قتل، يبدأ هيتشكوك بتحريك الكاميرا مع الشخصية خلال المكان. فعندما يصعد المحقق ميلتون أر بوغاست (مارتن بالسام) الدرج في منزل آل بايتس في فيلم "سايكو"، تتحرك الكاميرا معه صعودًا على الدرج.
يعلم الجمهور أن السيدة بايتس موجودة في المنزل، وتفتح الكاميرا المساحة خلف أر بوغاست، مما يملؤنا بالرعب ونحن نحاول توقّع من أي اتجاه ستظهر السيدة بايتس. وبعد أن يتعرض أر بوغاست للهجوم، يسقط على الدرج وتتبعه الكاميرا، مما يجعل المشهد يبدأ وينتهي بلقطتي تتبع.
مثال آخر على ذلك في المشهد النهائي من فيلم "فيرتيغو"، حيث يصعد سكوتي (جيمس ستيوارت) وجودي (كيم نوفاك) البرج، وتستخدم الكاميرا حركة "دولي زووم" (أو زووم فيرتيغو) التي تنقلنا إلى القمة. نحن نتابع الحدث بينما نشعر بالدوار داخل المكان، وهو إحساس يشابه ما يشعر به كلا الشخصين مع تصاعد التوتر في المشهد.
حركة الكاميرا تُخدّر الجمهور عمدًا، إذ نظن أنها مجرد لقطة بسيطة لشخص يتحرك. لكن بالنظر عن كثب، نجد أن الكاميرا تعمل على مستوى لا واعٍ، تُشكّل الفضاء لتعكس الحالة الذهنية للشخصية. وعندما تصبح الشخصية غارقة في حالة ذهنية معيّنة، تتجلى عبقرية هيتشكوك باستخدام الكاميرا الثابتة.
2. الكاميرا الثابتة
بينما تبدو الكاميرا المتحركة طبيعية ومألوفة، تخلق الكاميرا الثابتة لغة غريبة تجبرنا على مشاهدة ما يحدث على الشاشة، بعد أن خدّر هيتشكوك جمهوره بإحساس زائف من الألفة.
في فيلم "الطيور"، تتوقف الكاميرا عن تتبّع ميلاني (تيبي هيدرين) بينما تجلس بالقرب من ملعب الأطفال. تظل الكاميرا ثابتة وهي تراقبها، ثم تقطع إلى الملعب خلفها الذي يبدأ شيئًا فشيئًا بالامتلاء بالطيور. ومع كل لقطة، تظهر طيور أكثر، ويبدأ الجمهور بالشعور بالخوف على ميلاني التي لا تدري ما يحدث خلفها، ونصبح يائسين من رغبتنا بأن تلتفت وتنظر خلفها.
عدم تحرك الكاميرا يحاكي إحدى طرق استجابتنا للخطر: التجمّد. كان هيتشكوك مدركًا تمامًا لمدى سيطرته على كيفية تفاعل الجمهور مع المشهد، ويجبرهم على مشاهدة تصاعد التوتر وهم يعرفون أنهم عاجزون عن فعل أي شيء. لا يستطيع الجمهور الهرب أو القتال. بدلًا من ذلك، يجب عليهم الانتظار حتى يحدث شيء ما.
كان هيتشكوك شديد الوعي بقدرته على التحكم في نظرة الجمهور. يتولد التشويق من رفضه السماح للمشاهد بالنظر بعيدًا عمّا قد يحدث. ولهذا السبب نشعر بالارتياح عندما تلتفت ميلاني أخيرًا وترى الطيور، لأننا لم نعد ننتظر ونترقب ما سيحدث.
3. التغطية الكلاسيكية على طريقة هوليوود
لم تتغير طريقة التغطية السينمائية كثيرًا على مرّ التاريخ. غالبًا ما تبدأ التغطية الكلاسيكية بلقطة عامة، ثم تنتقل إلى لقطة متوسطة، ثم قريبة، وتُختتم بلقطة عامة مجددًا. يمكنك أن تجد هذا النمط من التغطية في معظم الأفلام لأنه ببساطة يعمل. لماذا نغير شيئًا فعّالًا؟
حسنًا، هيتشكوك يستخدم التغطية الكلاسيكية مع لمسة خاصة.
تأتي هذه اللمسة في اللقطة العامة الأخيرة، التي غالبًا ما تكون مأخوذة من زاوية مرتفعة. تتحرك الكاميرا أحيانًا مبتعدة عن الشخصية، مما يضع الجمهور على مسافة منها ليُظهر مشاعر الشخصية أو حالتها الذهنية. يمكن استخدام هذا التأثير كوسيلة للخروج من التوتر، لكن هيتشكوك يستخدمه أيضًا لزيادة التوتر داخل المكان، عبر التلاعب بحجم الشخصية في الفضاء، وغالبًا ما يجعلها تبدو صغيرة وغير ذات أهمية.
4. تأثير كوليشوف
تأثير كوليشوف هو أحد أكثر أدوات الإخراج صراحة وفعالية في الوقت نفسه. اكتشفه المونتير الروسي ليف كوليشوف، ويعني أن تعبير وجه الممثل يمكن تفسيره بعدة مشاعر مختلفة حسب اللقطة التالية له.
هذا التأثير هو الأساس الذي يقوم عليه فن المونتاج الحديث، بفضل قدرته على خلق وهم الاستمرارية الزمنية. كما يسمح للجمهور بتفسير ما يشعر به الممثل بدقة، ويؤثر على تعاطفهم مع الشخصيات. وبما أن هيتشكوك عبقري مراوغ، فقد استخدم تأثير كوليشوف كثيرًا ليُخبر الجمهور كيف يشعر من خلال إظهار الخوف على وجوه شخصياته.
عندما يسحب القاتل في "سايكو" الستارة، وتقطع الكاميرا إلى ماريون (جانيت لي) وهي تصرخ رعبًا، يدرك الجمهور فورًا أن ما يحدث ليس مجرد مفاجأة ساخرة. بل إن ماريون عالقة وخائفة، ويشعر الجمهور بالخوف معها.
هذه الخطوات الأربع تصنع مشهدًا كلاسيكيًا بأسلوب هيتشكوكي. تبدو بسيطة بما فيه الكفاية، لكنها فعّالة للغاية عند التطبيق. وإذا كان هناك شيء يمكننا تعلمه من هيتشكوك، فهو أنك لست مضطرًا لإعادة اختراع العجلة كي تصبح مخرجًا عظيمًا. بل عليك أن تفهم العناصر البسيطة في الحرفة وتأثيرها على المشاهد. فإتقان الأساسيات لا يعني أن مشهدك سيكون بسيطًا أو عاديًا.
هل لاحظت عناصر أخرى في بعض من أعظم مشاهد هيتشكوك؟ شاركنا بها في التعليقات أدناه!



تعليقات
إرسال تعليق
هل أعجبك المقال؟ شاركنا رأيك!
نحن نؤمن أن السينما تصبح أكثر إلهاماً حين نناقشها سوياً.