الزاوية المائلة: من التعبيرية الألمانية إلى أفلام الحركة الحديثة

في عام 1922، عبّر المخرج السوفييتي دزيغا فيرتوف عن رفضه الشديد للسينما السائدة في عصره، منتقدًا مخرجين مثل ديفيد وورك غريفيث الذين صنعوا أفلامًا وصفها بأنها نسخ كربونية من الروايات والمسرحيات.
رأى فيرتوف أن الكاميرا أصبحت مجرد متفرج مملّ ينقل الحدث من دون روح، وأطلق على هذا النوع من السينما اسم البرص القاتل والمعدي.

ردّه على هذا التصور جاء في فيلمه «رجل يحمل كاميرا سينمائية»، الذي غيّر مسار اللغة البصرية في السينما.
في هذا العمل، تتحول الكاميرا إلى شخصية فاعلة، وتُستخدم فيها تقنيات مثل الحركة البطيئة، والتعريض المزدوج، والشاشة المقسومة.
كان هدف فيرتوف واضحًا: خلق سينما خالصة بلا نص ولا ممثلين ولا موقع محدد، لغة بصرية مستقلة تمامًا عن المسرح والرواية.

من بين الأدوات التي استخدمها فيرتوف كانت الزاوية المائلة (Dutch Angle)، وهي تقنية تجريبية آنذاك تُبرز التوتر والاضطراب في المشهد.
ورغم أنه لم يكن أول من استخدمها، فقد أدرك وظيفتها التعبيرية بدقة، بخلاف موجة الاستخدام المفرط التي ظهرت لاحقًا في التسعينيات وبداية الألفية، حين تحولت الزاوية المائلة إلى حيلة جمالية في أفلام الحركة والإعلانات.

أول ظهور بارز لهذه الزاوية يعود إلى الفيلم التعبيري الألماني «خزانة الدكتور كاليغاري» (1920)، الذي قدّم عالمًا مشوّهًا بصريًا ليعكس اضطراب الشخصيات الداخلية.
كان الفيلم متقدّمًا بسنوات على السينما الأمريكية من حيث استخدام الضوء والظل والديكورات الحادة، كما أدخل مفهوم التصوير الذاتي (Subjective Filming)، حيث يُعرض العالم كما تراه عينا البطل، لا كما هو في الواقع.
نهاية الفيلم، التي تكشف أن الراوي مريض نفسي يعيش في مصحّة، مثّلت نقطة تحوّل في فهم العلاقة بين الشكل البصري والحالة الذهنية.

من هذا المنطلق، يمكن القول إن الزاوية المائلة نشأت من تزاوج تيارين فنيين: الوثائقي التجريبي الروسي الذي ركز على ابتكار اللغة السينمائية، والتعبيرية الألمانية التي سعت إلى جعل الصورة انعكاسًا للحالة النفسية.

لاحقًا، وجدت هذه اللغة البصرية طريقها إلى السينما الأمريكية عبر أفلام هيتشكوك، الذي تأثر بالمدرسة الألمانية في بداياته في برلين.
في أفلامه، أصبحت الزاوية المائلة وسيلة للتعبير عن الشك والاضطراب الداخلي.

الاستخدام الأبرز لهذه التقنية جاء في فيلم «الرجل الثالث» (1949)، أحد روائع السينما السوداء (Film Noir).
تبدو مدينة فيينا المدمّرة بعد الحرب كنسخة واقعية من عالم «كاليغاري» المائل، حيث تعمل الكاميرا كمرآة لعالم ما بعد الحرب المضطرب.
الخطوط المائلة في العمارة المهدّمة، والميل البصري في الكادر، يعكسان انعدام التوازن الأخلاقي والنفسي للشخصيات.
في مشاهد المواجهة، تُستخدم الزاوية المائلة لتأكيد التوتر والريبة، وللتلميح إلى أن الحقيقة نفسها أصبحت مشوّهة.

أثّر هذا الاستخدام في أجيال لاحقة من المخرجين.
في فيلم «داي هارد» (1988) مثلاً، تُستخدم الزوايا المائلة لتصوير لحظات الخداع بين الشرير والبطل، مما يعزز شعور المشاهد بالريبة.
تكرّر هذا النمط في أفلام مثل «الشك» (Doubt)، حيث تؤدي الزاوية المائلة وظيفة درامية أكثر منها بصرية، فتصبح وسيلة لتجسيد التوتر الأخلاقي وانعدام اليقين.

تُظهر هذه الأمثلة أن الزاوية المائلة ليست مجرد حركة كاميرا مثيرة، بل أداة فنية ذات جذور عميقة في تاريخ السينما.
منذ التعبيرية الألمانية حتى اليوم، بقيت وسيلة للتعبير عن اللااستقرار النفسي، وعن نظرة مائلة للعالم نفسه.

إن جوهر هذه اللقطة يكمن في قدرتها على نقل الاضطراب البشري بصريًا.
فكما أن السينما لا تكتفي بتصوير الواقع، فإن الزاوية المائلة تذكّرنا بأن كل صورة تحمل وجهة نظر، وكل انحراف في الكادر هو تعبير عن انحراف داخلي.
وهكذا، تستمر هذه التقنية في إثبات أن السينما أكثر من أي فن آخر قادرة على جعل المشاعر منظورًا بصريًا ملموسًا.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عشرون نصيحة من كريستوفر نولان لكتابة السيناريوهات

كيف نكتب مثل جيمس بالدوين

عشرة نصائح في الكتابة والإخراج من دينيس فيلنوف